محمود طرشونة ( اعداد )
47
مائة ليلة وليلة
على الممكن . فالكلام البشري لا يتم إلّا في روح الإله » « 103 » . ونحن لا نناقش هذه الآراء التي ربّما بالغ صاحبها في التأويل لكننا نلاحظ أن النظام الزمني في حكايات « مائة » يقوم فعلا على مجرى أفقي للأحداث لا يحيد عنه إلّا نادرا فجلّها يستهل بالولادة ويختم بالزواج أو الموت ويكون ما بينهما أحداث مسترسلة استرسالا زمنيا منظما لا يشوبه توقّف ولا عودة إلى الوراء . إلّا أننا نستثني من حكايات « مائة » حديث « الملك والغزالة » الذي استعمل فيه الراوي ما اصطلح على تسميته بالفلاشباك أو الومضة الورائية ( FlaSh back ) وذلك أن هارون الرّشيد اكتشف في صيده غزالة قد تزيّنت بأصناف الحلي فحاول الإمساك بها لكنّها أفلتت منه ودخلت قصر محمد الدمشقي . فطلبها الخليفة منه لكنّه اعتذر وأعلم هارون الرشيد أن الغزالة زوجته وأم أولاده . فأثار شوقه ثم روى له كيف أخذها من قصر أخيها العفريت بعد صراع مرير . وبعد الانتهاء من رواية قصة الغزالة عاد الراوي إلى هارون الرشيد وصوّر تعجّبه وذكر إعراضه عن طلب الغزالة . والزمان في الليالي سواء كان أفقيا أو غير ذلك فهو غير محدود . فلا يمكن أن يضبط تاريخه . وهذا أهمّ ما تتميّز به الحكايات الشعبية . فكلّ الأحداث تجري في زمان خرافي مطلق قد يمرّ ببطء وقد يطوى طيّا . فالراوي هو الذي يتحكّم فيه وإذا استعان بالسحر أو بعوالم غير مرئية فهو يربط بين العصور البائدة ( عصر سليمان مثلا ) والعصر الحاضر ( عصر السرد أو التدوين ) وربّما وجد في نفس الصفحة - أي في المدّة القصيرة التي تتطلّبها عملية السرد - طفل يولد بعد انتظار طويل وينمو ويتعلّم ثم يغامر ويفوز ويتزوّج . وبذلك يكون مجرى زمان الأحداث موازيا لمجرى زمان سردها . وتقترن بهذا الأمر ظاهرة أخرى هي ظاهرة التكهن . فنحن نعرف
--> ( 103 ) نفس المرجع ص 187 .